حمزة العطار
في تموز 2006 قالوا عن حزب الله أنه مجنون، مغامر، يجر لبنان إلى حرب لا قدرة له عليها. قالوا إن الجيش الإسرائيلي الذي لا يقهر سيمحي المقاومة خلال 48 ساعة. وبعد 33 يوماً، ذُهل العالم نفسه الذي استهزأ. صمدت قرى الجنوب، وصمدت بعلبك التي كانت جسر الإمداد، وسقطت أسطورة الميركافا في وادي الحجير.
اليوم، التاريخ يعيد نفسه، لكن على مساحة أوسع بكثير. في مضيق هرمز، يقولون عن إيران أنها متهورة، مجنونة، تغامر بإغلاق شريان العالم. يقولون إن الأسطول الخامس الأميركي سيمحي الزوارق الإيرانية خلال ساعات. وبعد أسابيع من الإغلاق الكامل، العالم نفسه مذهول مرة أخرى.
النتائج واحدة، لأن المدرسة واحدة:
في 2006، كانت النتيجة الأولى: سقوط نظرية الردع الإسرائيلي.
إسرائيل كانت تظن أن تفوقها الجوي يحميها. جاءت صواريخ الكورنيت والكاتيوشا وقالت: لا، الأرض هي التي تحسم.
في 2025-2026، النتيجة الأولى نفسها: سقوط نظرية الردع البحري الأميركي.
أميركا كانت تظن أن حاملات الطائرات تحمي النفط. جاءت الزوارق المسيرة والألغام الذكية وقالت: لا، 39 كيلومتراً من البحر تتحكم بها إرادة شعب قرر أن لا يجوع.
في 2006، النتيجة الثانية: المقاومة الصغيرة فرضت شروطها على جيش كبير.
حزب الله ببضعة آلاف مقاتل فرض وقف إطلاق نار بشروطه، ومنع احتلال الجنوب.
في هرمز، النتيجة الثانية نفسها: دولة محاصرة منذ 40 سنة تفرض شروطها على القوة العظمى في العالم.
إيران اليوم لا تطلب فك الحصار، هي تفرض ثمن فتح هرمز. وهذا هو الانتصار بحد ذاته.
لماذا نفس المدرسة تعطي نفس النتائج الإيجابية؟
لأنها مدرسة لا تقيس القوة بعدد الطائرات، بل تقيسها بقدرة التحمل. الإسرائيلي كان يملك الطائرات في 2006، لكنه لم يتحمل 33 يوم حرب. الأميركي اليوم يملك حاملات الطائرات، لكنه لا يتحمل 33 يوم تضخم و5.5 دولار لغالون البنزين.
مدرسة الجنوب علمتنا أن صاحب الأرض وإن كان محاصراً، إذا قرر أن يصمد، فإن الزمن يصبح سلاحه. وهذا ما تفعله إيران اليوم في هرمز. هي لا تريد أن تغرق أسطولاً أميركياً، هي تريد أن تجعل بقاءه مكلفاً إلى درجة يصبح انسحابه أو تفاوضه هو النصر لها.
أولئك الذين سخروا من "مغامرة" 2006، هم أنفسهم الذين سيسخرون من "تهور" 2026، وهم أنفسهم الذين سيقفون بعد أشهر مذهولين أمام حقيقة واحدة: هذه المدرسة التي خرجت من جبال البقاع ووديان الجنوب، وصلت اليوم لتغلق أهم مضيق في العالم، وما زالت تعطي انتصاراً بعد انتصار.
والتاريخ لا يكتبه من يملك النفط، بل من يملك قرار إغلاقه.